إصلاحات من أجل الترقي (2): بناء الثقة وإعادة مكانة السياسة ودورها المحوري في الجزائر

108

بقلم: أنور نصر الدين هدام

باحث، مركز الترقي

   ملخص

إن حجم المقاطعة التي عرفتها الانتخاب التشريعية الجزائرية ليوم 4 ماي الماضي هو تعبير واضح عن القطيعة بين المواطنين في تنوعهم والنخب السياسية، سلطة ومعارضة معتمدة على حدّ سواء، وعجزها في شحن همتهم وتحريك طاقاتهم لما يخدم المصلحة العامة. هذه الورقة الثانية من سلسلة ” إصلاحات من أجل الترقي” تطرح جملة من إصلاحات داخلية فكرية وسلوكية وهيكلية، تمكننا جميعا، سلطة ومعارضة، عسكريين ومدنيين، من الخروج من الخنادق الأيديولوجية التي نجد أنفسنا فيها اليوم، والالتحاق “بالفضاء العمومي” الذي لا مفر لنا من تشاركه، فليس لنا بديلا عن الجزائر، والاعتراف بالتساوي في المواطنة لجميع أبناء وبنات الوطن في تنوعهم، والتخلص من الذهنية الاقصائية وتبني ثقافة التنوع واحترام حق التباين. إنه مشروع وطني يتطلب مساهمة الجميع ـ مدنيين وعسكريين، سلطة ومعارضة ـ حتى نتمكن معا من بناء من جديد الثقة فيما بيننا وإعادة مكانة السياسة ودورها المحوري في خدمة المواطن، وصياغة الأيديولوجية السياسية للنظام السياسي بما يحقق الانسجام بين الدولة والمواطنين في تنوعهم يحرر طاقاتهم المجتمعية ويحركهم في اتجاه موحد لإحداث التحول الاقتصادي المنشود ومعالجة معًا الواقع الجزائري.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

الجزائر والقطيعة بين الدولة والمواطن: تراجع السياسة وهيمنة “البولتيك”

     في المقال الأولى[1] من هذه السلسلة من المقالات المعنونة ب “إصلاحات من أجل الترقي “، والذي تم فيه تقديم دراسة حول بعض أسباب فشل النخب السياسية، سلطة ومعارضة، في تحقيق توافق وطني لحل فعلي للازمة التي تعيشها الجزائر،  توصلنا الى كون ان مما الجزائر في حاجة اليه هو خوض إصلاحات تؤسس لثقافة المواطنة والديمقراطية واحترام التنوع داخل المجتمع والتعددية السياسية تحدث من جديد الانسجام بين الدولة و المواطن وتعيد للسياسة مكانتها ودورها المحوري، حتى نتمكن من وضع سياسات تكون قابلة للتنفيذ على ارض الواقع لما يخدم الجزائر ومنطقتنا المغاربية والعالم الاسلامي.

      فالسياسة، كما وصفها الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، هي “محاولة تأمل في الصورة المثلى لخدمة الشعب”. لكن، مع

الأسف، ما ظل معظم المنتسبين اليها في الجزائر ـ سلطة ومعارضة ـ يمارسون انما هي “مجرد صرخات وحركات لمغالطة الشعب واستخدامه”، أي وفق تعبير الاستاذ رحمه الله ” البولتيك” [2]. حيث الهدف الاساسي لمعظمهم ـ سوآءا كانوا أعضاء الحكومة أو قيادات أحزاب ـ هو البقاء في مناصبهم لتأمين المزيد من مكتسبات خاصة بهم، بدلا من الاهتمام بكيفية السعي للمساهمة في تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية للمواطنين والتنمية والترقي للبلاد.

     و ما حجم المقاطعة[3] وعدد أوراق التصويت البيضاء التي عرفتها الانتخاب التشريعية ليوم 4 ماي الماضي، رغم الأموال الباهظة التي بذلتها السلطة والحملات الانتخابية المكثفة التي قامت بها الأحزاب المعتمدة من أجل حث المواطنين على المشاركة، إلا تعبير واضح عن غضب المواطنين ـ من مدنيين و عسكريين ـ في أغلبيتهم وفي تنوعهم حيال الممارسات السياسية السلبية ـ للسلطة والمعارضة المعتمدة على حدّ سواء ـ التي تشهدها البلاد من وعود كاذبة، وفساد فاحش، وارتشاء انتخابي مفضوح، واعتماد سياسة التخويف والتسيير بافتعال الأزمات بدلا من طرح برامج وحلول واقعية لمشاكل الشعب، ومن إقصاء لشريحة عريضة من المواطنين الغيورين على مصلحة بلدهم من الساحة السياسي وحرمان الشعب من خدمتها.

      كما ان تراجع السياسة هذا والإصرار على الاستمرار في الهروب غير المسؤول الى الامام نحو الهاوية يتسبب كذلك في تهديد الأمن القومي، حيث من الممكن ان يتم توظيف التصحر السياسي الراهن وتحويله لا قدر الله الى عنف يضرب وحدة واستقرار البلد بل والمنطقة المغاربية بكاملها؛ ولقد عاد الى الواجهة، بالصوت والصورة، بعض مجرمي الحرب المتسببين في المأساة الوطنية وهم يتبجحون بما قاموا به من إرهاب بشع في حق خيرة أبناء الشعب في التسعينيات ويهددون بالرجوع بالبلد الى تلك الحقبة المؤلمة من تاريخنا المعاصر.

       هكذا، تشهد الجزائر هوة كبيرة بين الدولة والمواطنين، بل وغياب تام لأي تعاون بينهما؛ فالمواطنون اليوم في اغلبيتهم وفي تنوعهم يرفضون هيمنة “بولتيك” النخب السياسية، سلطة ومعارضة معتمدة، على المشهد السياسي. وهو رفض تسبب في فصلها عن المواطن، وفي عجزها في شحن همته وتحريك طاقاته لما يخدم المصلحة العامة. هكذا، غياب التراضي والانسجام بل وغياب الثقة بينهما أفضى إلى عدم تجاوب المواطنين مع كل من الحكومات المتتالية وقيادات المعارضة المعتمدة، حيث لم يجدوا في سياساتها وممارساتها ما يخدمهم في تنوعهم.

     إن الاستمرار في ممارسة “البولتيك” بدلا من معالجة الازمة من جذورها هو الذي أحدث القطيعة التي تشهدها الجزائر العميقة بين الدولة ومواطن. فكما نبّه اليه الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله[4] وكأنه يصف وضع الجزائر الحالي:

“إن التعاون بين الدولة والفرد، على الصعيد الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، {يمكننا اليوم إضافة: “والأمني”} هو العامل الرئيسي في تكوين سياسة تؤثر حقيقة في واقع الوطن. وإذا تعذر هذا العامل، فإن القطيعة المعنوية سوف تعزل الدولة عن الوطن وتشل الطاقات الاجتماعية، أو ـ والأمر هنا أدهى وأمر ـ تشتتها تشتيتاً تكون نتائجه عدم الانسجام وعدم التناغم، ومعارضات طاغية في فوضى شاملة، يسودها شعار “عليك خاصة نفسك”، ذلك الشعار الذي تدين به فترات الانحطاط …”..

      بالفعل، إذا ما تأمّلنا في واقع الجزائر الاجتماعي والاقتصادي والامني الخطير، رغم مقدراتها البشرية والطبيعية والعسكرية، نجد انه في جوهره ناتج عن ازمة شرعية “النظام السياسي” وايديولوجيته السياسية الذي تسببت في غياب الانسجام بين الدولة والمواطنين في تنوعهم.

     الجزائر تفتقر الى أيديولوجية سياسية وطنية تُحدث انسجام عمل الدولة مع عمل كل مواطن، والذي بدوره يشكل العامل الأساسي والضروري في تطوير سياسة ناجحة تؤثر حقا في واقع الوطن والنهوض به. فكما قال الأستاذ بن نبي رحمه الله:

“… من هنا تبدأ قضية الأيديولوجية تطرح نفسها، لا على انها مجرد اقتراح يستحسن، كثيرا أول قليلا، في مجال الأفكار، بل بوصفها مشروعا حيويا به يكون للسياسة تأثير حقيقي على الواقع المحسوس في الوطن.” [5]

      إن الأيديولوجية السياسية للنظام السياسي المفروضة على الشعب جعلت كل من السلطة السياسية والمعارضة المعتمدة ترضخ الى “سيطرة” غير دستورية رهيبة للمتنفذين الفعليين في القرار السياسي الذين تتعارض مصالحهم الخاصة مع مصالح الشعب في تنوعه.

      إذن، إذا ما أردنا معالجة الواقع الجزائري وإعادة مكانة السياسة في الجزائر ودورها المحوري في خدمة المواطنين في تنوعهم، وبناء الدولة وتحقيق استقرارها، واحداث التحول الاقتصادي المنشود، لا بد من بلورة مشروع وطني جامع يمكننا من إعادة الثقة بين الجميع وصياغة الأيديولوجية السياسية للنظام السياسي بما يحقق الانسجام بين الدولة والمواطن.

إطلالة على مبادئ الأيديولوجية السياسية للنظام الجزائري

      هناك العديد من التعاريف للأيديولوجية السياسية. واما بالنسبة للموضوع الذي يتم تناوله في هذه الدراسة، الذي يهمنا من تلك التعاريف هو كون أن الأيديولوجية السياسية تحمل مجموعة من الأفكار المستوحاة من قيم ومبادئ محددة، والتي توجّه عمل الدولة والمواطنين ـ من أفراد وفئات مجتمعية ـ في اتجاه واحد وبسلوك محدد لإحداث ذالك الانسجام الضروري بين الدولة والمواطن لتكوين سياسة تغير فعليا واقع الوطن نحو الافضل.

     ونحن نبحث عن المجموعة من الإصلاحات التي تمكن بلدنا من جعل حد لهيمنة “بوليتيك” النخب السياسية الجزائرية ـ سلطة ومعارضة ـ وتدارك فشلها في إحداث ذلك الانسجام بين الدولة والمواطن وتحرير الطاقات، كان علينا أولا محاولة إدراك مهيت المبادئ التي بُنيت عليها الأيديولوجية السياسية للنظام الجزائري، وما الذي تطرحه تلك الأيديولوجية السياسية للدولة والمواطن. إلا ان الغموض المتعمد الذي يسود النظام السياسي وتوجهاته جعل من الصعب التعرف بدقة على مرتكزاته الأيديولوجية؛ والتي بالتأكيد حالت بعد 55 عما من الاستقلال دون استكمال بناء دولة اول نوفمبر التي ضحى الشعب الجزائري بعُشُر أبنائه وبناته من اجلها. لذلك لا يسعنا هنا سوى ذكر بعض المبادئ التي نعتقد انه تقوم عليها أيديولوجية النظام الجزائري، بناء على ما تم استنتاجه من دراستنا للأسباب من وراء[6] الواقع المعاش:

  • التشبث بمبدأ “وحدة العمل” الموروث عن مرحلة الثورة التحريرية [7]، بدلا من مبدأ احترام التنوع الفكري والأيديولوجي والتعددية السياسية الحقيقية والتنافس وتحرير المبادرة، الضروري في مرحلة بناء الدولة، أفضى الى تحييد المخالفين وتهميشهم، حيث:
  • داخل المجتمع المدني: تم إضعاف مؤسساته كالجمعيات والنقابات والإعلام، بل وحتى الأسرة، والمدرسة، والمسجد، وجعلها تخضع لإرادة المتنفذين في النظام. في وقت ان استقلالية هذه المؤسسات عن أي نفوذ حكومي أو حزبي او تدخل أجنبي أمر ضروري للحفاظ على الحريات الأساسية الفردية والجماعية، بما فيها حق إيجاد سلطة سياسية تنبثق عن خيار الشعب وحق الاجتماع وتأسيس جمعيات وأحزاب بعيدا عن أي وصاية داخلية ام دولية، التي تمكن المجتمع من الوقوف في وجه الاستبداد والفساد والتبعية ومن النهوض والترقي؛
  • وفي الساحة السياسية: تم فرض منظومة حكامة موجهة أحادية في خدمة المتنفذين في النظام السياسي، سلطة ومعارضة معتمدة، بدلا من اعتماد حَكامة ديمقراطية تعددية تعبّر عن خيار الشعب وتخدم مصالحه في تنوعه. الامر الذي افضى الى التضارب في المصالح وعدم انسجام بين النخب السياسية المفروضة والمواطنين؛
  • اعتماد مبدأ تقديم الولاءات على الكفاءات والانحراف عن المسار الديمقراطي والدَّوس على سيادة الشعب أفرز نخب سياسية، سلطة ومعارضة، تفتقر الى ثقافة الدولة وخدمة الصالح العام، حيث:

من جهة، ظلت سلطة “الولاءات” تخلط بين الدولة والنظام الحاكم، ولقد أصدرت قوانين تعاقب كل منتقد للنظام بتهمة المساس بأمن الدولة. ومن جهتها، المعارضة المعتمدة من قبل سلطة “الولاءات” لم تميز بين الدولة والنظام: لقد قبلت بالدّوس على خيار الشعب حفاظا على الدولة ولو تسبب ذلك في تقوية نظام حكم يرسخ الاستبداد والفساد والتبعية ويبدد الطاقات الحيوية الطبيعية والبشرية، ويعطل التنمية وتطوير المجتمع.

حتى المعارضة المستقلة عن السلطة هي الأخرى أخفقت في تحديد خياراتها حيث منها من ظل يسعى للإطاحة بنظام الحكم ـ والذي لا شك انه مطعون في دستوريته وشرعيته ـ لكن ولو تحطمت الدولة.

  • إعتبار المؤسسة العسكرية والامنية العامل الأساسي للاستقرار بدلا من الشعب وحقه في الاختيار وفي تنوعه، حيث:

هناك خلل في العلاقة بين المدني والعسكري. فالمؤسسة العسكرية والأمنية سُخّرت لحماية النخبة الحاكمة وبعض رجال المال والاعمال وتحصينهم من مراقبتهم، فأسست للاستبداد والفساد والتبعية، حيث ظل المال الفاسد والجهوية هما العاملان الأساسيان المحددان للمشاركة في الساحة السياسية والاقتصادية؛

  • اعتماد اقتصاد الريع يقوم أساسا على المحروقات، على حساب اقتصاد منتج ومتنوع، حيث:

أصبحت الجزائر أول بلد افريقي مستورد للمواد الغذائية بنسبة 75% من حاجياتها وذلك رغم شاسعة أراضيها الزراعية. فالجزائر اليوم هي بلد مستورد هيكليا. لقد سجّل النظام فشلًا ذريعًا في بناء الدولة المستقلة التي ينعم فيها المواطن بالحرية والتي تكون ذات اقتصاد منتج متين، الامر الذي افضى الى ازمة اقتصادية عميقة بمجرد انخفاض سعر برميل البترول [8].

  • اعتماد أيديولوجية سياسية فُرضت على الشعب تفتقر الى آلية لتقويم المسار واحداث التغيير المنشود وخوض إصلاحات تمكن بلدنا من تدارك فشل النخب السياسية، حيث:

تم إضعاف مؤسسات الدولة الثلاثة ـ الرئاسة والبرلمان والقضاء ـ الضرورية للحفاظ على التوازن بين السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية لما يسمح بتقويم أداء الحكومة، وتدجين والاعلام، وتغييب مؤسسات الرقابة الدستورية.

    هكذا، المتحكمين في الشأن الجزائري يفتقرون الى إرادة سياسية للاعتراف بفشلهم في القيام بمهام الدولة لما يخدم مصالح مواطن الجزائر العميقة. كل ذلك أفضى إلى عدم تجاوب المواطنين في أغلبيتهم وفي تنوعهم مع النخب السياسية، وإلى عزوف رهيب عن السياسة لدى اغلبيتهم بل والى تلاش مذهل لإحساسهم بمستلزمات المواطنة. لقد تسبب ذلك في إضعاف شبكة العلاقات الاجتماعية بدرجة الى إن الدولة بذاتها أصبحت مهددة بالانهيار، إذا لم يتم تدارك الامر ونهج مقاربة جديدة ونمط فكري مغاير للذي تسبب في إنشاء واستمرار هذه الوضعية.

إصلاحات داخلية فكرية وسلوكية وهيكلية تعيد ثقة المواطنين في تنوعهم في الدولة ـ سلطة ومعارضة ـ

     ومما خَلُصنا اليه في تجربتنا الميدانية لأكثر من عقدين من الزمن في البحث عن حل سياسي سلمي للمعضلة الجزائرية، هو انه لا يمكن لأي جهة كانت مهما قويت شوكتها الوصول بمفردها الى حل قابل للديمومة؛ حيث يتطلب الحل الفعلي والفعّال اشراك الجميع في صياغته دون اقصاء. كما انه لا يمكن الوصول الى الحل التوافقي هذا للازمة دون معالجة القطيعة الموجودة بين المواطن والمتنفذين في النظام، سلطة ومعارضة معتمدة.

     ومنه، وحتى نعيد للسياسة في الجزائر مكانتها ودورها المحوري في خدمة المواطنين في تنوعهم، وبناء الدولة وتحقيق استقرارها، علينا جميعا ـ سلطة ومعارضة، عسكريين ومدنيين ـ خوض إصلاحات داخلية فكرية وسلوكية وهيكلية، تمكننا من الخروج من الخنادق الأيديولوجية[9] التي نجد أنفسنا فيها اليوم، والالتحاق ب “الفضاء العمومي” الذي لا مفر لنا من تشاركه ـ فليس لنا بديلا عن الجزائرـ و الاعتراف بالتساوي في المواطنة لجميع أبناء و بنات الوطن في تنوعهم، مع توضيح مرجعيتنا الفكرية ورؤيتنا السياسية، والتخلص من الذهنية الاقصائية وتبني ثقافة التنوع واحترام حق التباين، لنعيد الثقة بين الجميع.

     سنقوم في هذه الفقرة بطرح جملة من تلك الاصلاحات الأساسية التي نرى بأنها كفيلة بأن تؤسس لثقافة المواطنة والحكامة الديمقراطية والتعددية السياسية واحترام سيادة الشعب في تنوعه، تبعث الثقة داخل الساحة السياسية الضرورية لإنجاح المشروع الوطني هذا.

     هكذا، ومن اجل ترشيد العمل السياسي الحزبي يعيد للسياسة مكانتها ودورها المحوري، ويوجد المناخ المناسب لمساهمة الجميع في معالجة الواقع المعاش، نقترح على جميع النشطاء السياسيين ومن جميع التيارات خوض نقاش وطني جاد وعميق حول ضرورة الدفع بالبلد للقيام بإصلاحات سياسية حقيقية من أجل:

  • التحرر من التخندق الأيديولوجي و تبني عمل سياسي في خدمة الشعب في تنوعه:
  • الفصل بين العمل السياسي الحزبي وغيره من الاعمال الهادفة الى تقوية المجتمع المدني:

على جميع التيارات الوطنية ـ الإسلامية وغيرها ـ احترام التخصص والسعي الجاد لفصل نشاطها السياسي الحزبي عن باقي الانشطة الدعوية والفكرية والثقافية الذي ينبغي ان تُخصص لها جمعيات المجتمع المدني ذات اجندات وطنية مستقلة عن أي مؤسسات أو اجندات اجنبية؛

  • اعتبار الغاية ومعيار تَقويم العمل السياسي هو خدمة الشعب في تنوعه وليس الوصول إلى السلطة أو البقاء فيها بأي ثمن:

 فالحكومة بل والحزب نفسه مجرد وسيلة لخدمة الشعب في تنوعه ولإصلاح المجتمع.  وهكذا يتم تركيز اهتمام العمل السياسي على الوطن والشعب، وعلى إقناع الناس بالمشروع وبالمنهجية، بدلا من تبديد الجهود في تلميع الحزب وقياداته؛

  • اعتماد العمل السياسي القانوني، والشورى والممارسة الديمقراطية في الإطار الحزبي؛
  • تبني التغيير المنشود في إطار الاستقرار مع إعلاء المصلحة الوطنية، وتجنب التغيير بأي وسيلة أو الاستقرار بأي ثمن، وتغليب البعد الوطني والتركيز على أمن جزائرنا القومي، بما فيه أمن واستقرار منطقتنا المغاربية ودول الساحل.
  • اعتماد منهجية التغيير الحقيقي الشامل الفعلي والفعال لكن بالتدرج وفي حدود المستطاع لتفادي الضغوط والتشنج والتسرع: فإن أحد المعالم الاساسية والملموسة لإحداث التغيير المنشود، يكمن في اعتماد أولوية استعادة السيادة للشعب، وفتح المجال لجميع أبناء وبنات الشعب للمشاركة في التنافس السياسي التعددي النزيه لخدمة الشعب وحماية مصالحه الاستراتيجية.
  • التحلي بثقافة التنوع واحترام حق التباين. و هذا بدوره يتطلب ثقة قوية في النفس، وثقة المواطنين في تنوعهم والتزام الوضوح والشفافية معهم. وتحرّي الانسجام في المواقف التي يجب ان تحددها مصلحة المواطنين في تنوعهم دون غيرهم.
  • التمسّك بهذه الاصلاحات والمصابرة عليها من اجل إنجاح المشروع الوطني معا وفي تنوعنا وخارج خنادقنا الايديولوجية. لأن القرارات الجماعية في إطار التنوع والتي تحقق الحرية والعدالة الاجتماعية والترقي والاستقلالية لوطننا الجزائر بل ولمنطقتنا المغاربية على المدى البعيد قد يقف في وجهها بقوة أصحاب المصالح والنفوذ في الداخل والخارج، فيوقعوا فيما بيننا، كما ظل يحدث مع الذين سبقونا من النخب السياسية منذ فجر الاستقلال ففشلت في بناء دولة أول نوفمبر قوية التي ضحى من اجلها اباؤنا واجدادنا.
  • الالتزام بــ “ميثاق المواطنة” يقدّم إلى استفتاء شعبي[10]:

      يتمتع الشعب الجزائري بالسيادة، الأمر الذي يمنح كل جزائري وجزائرية، دون تمييز أو إقصاء، حقوق فردية وجماعية للمواطنة، وهي أساسية ودائمة لا يمكن تغييرها نتيجة لتغير الحكومات أو الدستور. يجب التوافق حول هذه الحقوق وتضمينها في “ميثاق مواطنة” يقدّم إلى استفتاء شعبي. من بين هذه الحقوق الأزلية، نقترح ما يلي:

– حق المساواة في المواطنة لجميع المواطنين من مختلف فئات الشعب الجزائري: حق الحياة وتوفير الأمن وحق الشرف والكرامة، وحق العدالة، وحق المساواة أمام القانون؛
– حق حماية خصوصيات المواطن من التجسّس والمراقبة: حق الخصوصية وحق الحرية بما فيها حرية الضمير وحرية التعبير وحرية الاعتقاد؛
– حق توفّر الحد الأدنى من العيش الكريم: الغذاء والملبس والمأوى والصحة والأمن والنقل العمومي، حق توفر التعليم الأساسي والتدريب المهني للشغل المنتج والمجزي؛

– حق توفّر الأمن الاقتصادي والشغل المنتج والمجزي، وحق الإمداد المجّاني بضرورات الحياة لغير القادرين على الشغل، وحق الكسب المشروع وامتلاك العقار؛

– حق المشاركة في الشؤون العامة للبلاد: حرية الاجتماع السلمي وتأسيس مؤسسات للبحث وللدراسات، وجمعيات خيرية أو ثقافية أو دعوية، وأحزاب سياسية، وحرية إبداء الرأي وتقديم النصح والنقد في أطار احترام حقوق الغير، وحرية المشاركة في انتخابات حرة وشفافة في إطار تعددية حقيقية وعلى جميع المستويات؛

  • توضيح المرجعية الفكرية والرؤية السياسية للحزب السياسي وتحديد الغاية والمقاصد والاهداف والمنهجية؛

      ان على عاتق الجميع مسؤولية السعي لبعث الثقة بين مختلف التيارات لتجنيب الجزائر مأساة أخرى-لا قدّر الله-وبناء جزائر جديدة مستقرة ومزدهرة. فعلى السياسيين الراغبين في إحداث التغيير المنشود ان لا يشكلوا مجرد معارضة فحسب بل ينبغي ان يكون لديهم مشروعا بديلا للنظام يستند الى رؤية واضحة لمستقبل الجزائر تنبع من مرجعية فكرية ورؤية سياسية محددة حتى يساهم الجميع في تعزيز أسس اختيار واع للشعب الجزائري في تنوعه. علينا اذن جميعا التزام الوضوح مع الشعب في الطرح والمبدئية والحسم في المواقف، والابتعاد عن الغموض والتذبذب. 

  • الالتزام بــ “ميثاق شرف وطني للممارسة السياسية” يتم التوافق حوله من خلال نقاش وطني حضاري:

      من جملة النقاط التي نرى من جانبنا من الضروري ان يتضمنها “ميثاق شرف وطني للممارسة السياسية”، والتي تحتاج من الجميع الى القيام بإصلاحات منهجية لإضافة بنود في برنامجهم السياسي تعلن صراحة الالتزام بها، هناك ما يتعلق ب:

  • هوية الدولة الجزائرية:

تجديد الالتزام بهدف ثورة أوّل نوفمبر 1954 التحريرية الذي حدد هوية الدولة الجزائرية وهو” تحقيق الاستقلال الوطني من خلال: “-استعادة الدولة الجزائرية ذات السيادة، الديمقراطية والاجتماعية في إطار مبادئ الإسلام، و- احترام الحريات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني”.

ان الدَارسَ الموضوعي للأسباب الأساسية وراء الانقلاب العسكري على خيار الشعب الجزائري في يناير 1992، يدرك ان في جوهرها تعود الى رفض البعض الالتزام بما جاء من مبادئ أساسية في هذا الهدف التاريخي والمفصلي الذي ألتف حوله الشعب للتحرر من الاحتلال الصليبي الفرنسي.

  • مكونات الهوية الوطنية:

الاعتقاد بكل وضوح ان الإسلام واللغتين العربية والامازيغية يشكلون الأبعاد الثلاثة الأساسية للهوية الوطنية وإسمنت وحدة الشعب والتكامل المغاربي. فالأبعاد الثلاثة معا تشكل المحرك الأساسي للانسجام الاجتماعي ولقيم الخير والصلاح. يجب أن تجد هذه العناصر مكانتها وتعزيزها المؤسساتي دون إقصاء أوتهميش. فإنه من حق الجمعيات الثقافية العمل لتعزيز هذه العناصر، من دون احتكار التعبير باسمها أو استخدامها لأغراض الدعاية الحزبية.

  • علاقة الحكومة والأحزاب السياسية مع الدّين:

إن الشعب الجزائري في اغلابيته الساحقة يعتقد ان الإسلام ـ خاتم الرسالات السماوية، والدّين الذي اعتنقه في عمومه منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، هو العنصر المهمّ والأساسي لهوية المواطنين. لذا ينبغي تثبيت مادة الدستور التي تنص على أنّ الإسلام هو دين الدولة. لكنه، وتجنّبا لأيّ تجاوز من قِبل الحكومة أو الأحزاب السياسية، فإنه من الضروري كذلك أن تُدرج في الدستور مواد تُترجم المبادئ التالية لضبط علاقة النظام السياسي مع الاسلام:

– رفض أن تحتكر الحكومة أو الأحزاب السياسية التعبير باسم الحقيقة الدينية: لا يمكن لأيِّ كان احتكار الاسلام أو احتكار فهمه في المسائل الاجتهادية، هناك عدة اجتهادات ممكنة في فهم النصوص الشرعية وفي عملية تنزيلها وتطبيقها؛

– يمكن للأحزاب السياسية استلهام برامجها السياسية من تفسيرها الخاص للإسلام وعلى الشعب اختيار البرنامج السياسي الذي يستجيب لطموحاته؛

– إنّ الممارسات التي تستهدف المواطنين بالتمييز بناء على خصوصياتهم الدينية، هي ممارسات تتعارض مع حقوق الإنسان والحريات الفردية والجماعية ومناهضة للديمقراطية.

  • مصدر السلطات هو الشعب في تنوعه:

التزام الجميع بعدم تولّي أحد أمرًا من أمور الشعب إلا بانتخابه من قبل الشعب، صاحب الحق والسلطة في الولاية والعزل، فلا يتولّى أحد أيّ مسؤولية سياسية عامة كانت على أيّ مستوى كان إلا بانتخابه من قبل الشعب؛ احترام اختيار الشعب والالتزام بمبدأ التداول على السلطة من خلال انتخابات تعددية حرة والالتزام بعدم البقاء أو الوصول إلى السلطة بالقوة؛ حق مراقبة السلطة السياسية، بشقيها التشريعي والتنفيذي، وحملها على ما يراه الشعب صائبا لا ما تراه هي.

  • حكامة ديمقراطية لتكريس سيادة للشعب:

ضمان عملية ديمقراطية حقيقية تسعى إلى إقامة حكامة ديمقراطية تجسد سيادة الشعب، أي لتكون جميع مؤسسات الدولة دون استثناء وعلى جميع المستويات تحت سيادة المنتخبين الممثلين لإرادة الشعب في تنوعه. ومنه احترام وتعزيز حكم القانون والتساوي في المواطنة ومحاربة الفساد والجهوية؛ واحترام حقوق الإنسان وضمان الحريات الأساسية الفردية والجماعية؛ واحترام التناوب السياسي بالاقتراع العام؛ والالتزام باحترام حق حزب الأغلبية في تطبيق برنامجه الذي حظي بتزكية الشعب عبر الانتخاب، مع نبذ سياسة الاستئصال؛ واحترام المؤسسات الدستورية للبلاد، والالتزام بالعمل داخل إطار الدستور؛ إعادة صياغة علاقة المدني بالعسكري واحترام الصلاحيات الدستورية للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وحرية الاعلام وحق نفاد الى المعلومة؛ ضمان حق جميع الأحزاب السياسية بالتواصل مع الشعب دون أي قيد او شرطك، من خلال وسائل الاعلام العمومي بالتساوي وسائل إعلامية مستقلة عن السلطة.

  • رفض لأيّ تدويل للمسألة الجزائرية ولأيّ تدخّل أجنبي في الشؤون الداخلية للجزائر.
  • والسعي لتطوير علاقات جزائر المستقبل مع الدول المغاربية إلى أسمى العلاقات الأخوية في إطار الاحترام المتبادل والتكامل الاقتصادي خدمة للمصالح الاستراتيجية لشعوبنا المغاربية. وكذلك لتطوير علاقات جزائر المستقبل مع الدول الإسلامية والافريقية، ودول الجنوب ودول البحر الأبيض المتوسط والدول الكبرى، والتعاون الإيجابي معها فيما يخدم المصالح المشتركة لشعوبنا.
  • التصدي لظاهرة الإرهاب في إطار تنسيق عسكري وامني مغاربي: لا بد من التصدي لكل من يلجئ الى التطرف العنفي والى استخدام قوة السلاح لفرض مفاهمه او مشروعه السياسي. بغض النظر عمن يقف من ورائها، اصبحت الظاهرة تشكل خطرا حقيقيا على بلدنا ودول الجوار والساحل ولأمننا القومي. لا بد من الاشارة هنا الى انه لا يوجد أي مبرر للظاهرة. و مع هذا، نرى انه في الوقت الذي من واجب الحكومة المنتخبة حماية مؤسسات الدولة والمدنيين من بطش الإرهاب، لا بد من العمل على إزالة أسباب التطرف العنيف و الإرهاب. ومنه دعوتنا لاحداث التحوّل السياسي والانتقال الديمقراطي التوافقي نحو نظام حكامة مستقر يعبر عن خيار الشعوب في تنوعها.

     هذه بعض النقاط التي نرى انه على مختلف التيارات الوطنية، الإسلامية وغيرها، السعي كل من جانبه للقيام ببعض الإصلاحات الداخلية، الهيكلية وفي مناهجها وبرامجها، للالتزام بها، ونحن منفتحون على نقاط أخرى قد يضيفونها إخواننا في المواطنة، الامر الذي سوف يساهم بقدر كبير في استعادة الثقة فيما بيننا والتي هي بمثابة الخطوة الأولى نحو معالجة واقع بلدنا.

 من أجل أيديولوجية سياسية جزائرية توافقية جديدة تحقق الانسجام بين الدولة والمواطنين في تنوعهم

     ان الاصلاحات المقترحة تؤسس لثقافة المواطنة والديمقراطية واحترام التنوع داخل المجتمع والتعددية السياسية، وتعيد للسياسة مكانتها ودورها المحوري في خدمة المواطنين في تنوعهم من خلال صياغة أيديولوجية سياسية جزائرية توافقية جديدة تعبر عن ارادتهم وتحدد مصالحهم الاستراتيجية. انه السبيل الحضاري لتحقق الانسجام بين الدولة والمواطن وتحرير طاقات المواطنين وابداعهم لتنميتهم وترقية المجتمع. انه مشروع وطني استراتيجي يحتاج الى مشاركة جميع المواطنين دون اقصاء او تهميش.

وهذا موضوع مقالنا الثالث بحول الله من هذه السلسلة من المقالات المعنونة ب “إصلاحات من أجل الترقي “، ضمن الإصلاحات السياسية

لوحدة الدراسات الجزائرية لمركز الترقي للدراسات الاستراتيجية.

_____________________________

[1] “إحداث الترقّي في الجزائر: تحديات وآفاق”، أنور نصر الدين هدام، فبراير 2017، موقع مركز الترقي للدراسات الاستراتيجية.

[2] مالك بن نبي، “بين الرشاد والتيه”، الفصل الثالث: في السياسة، “السياسة والبولتيك”، ص 85، الطبعة الأولى، دار الفكر-دمشق سورية، 1978، الكتاب عبارة عن مقالات للأستاذ نشرت في مجلة “الثورة الافريقية” الصادرة بالفرنسية، جمعها في صيف 1972 وترجمها للعربية.

[3]  وفق مصادر حركة الحرية والعدالة الاجتماعية، نسبة المقاطعة في الانتخابات التشريعية الاخيرة ـ بما فيها أوراق التصويت البيضاء ـ كانت بين 88 و90 %؛ “بيان حركة الحرية والعدالة الاجتماعية حول نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 4 ماي 2017″، الجزائر، 5 ماي 2017، الصفحة الرسمية للحركة:

[4] مالك بن نبي، “بين الرشاد والتيه”، الفصل الثالث: في السياسة، “السياسة والايديولوجية”، ص 82، الطبعة الأولى، دار الفكر-دمشق سورية، 1978، الكتاب عبارة عن مقالات للأستاذ نشرت في مجلة “الثورة الافريقية” الصادرة بالفرنسية، جمعها في صيف 1972 وترجمها للعربية.

[5]  مالك بن نبي، “بين الرشاد والتيه”، الفصل الثالث: في السياسة، “السياسة والايديولوجية”، ص 81.

[6] تم ذكر بعض هذه الأسباب في كتاب “المصالحة الوطنية في الجزائر، خطوة حضارية نحو حل ازمة اختيار السلطة السياسية”، أنور نصر الدين هدام، www.hoggar.org  جنيف، ماي 2007.

[7]  لقد تم الإشارة لهذا المبدأ في مقال: “إحداث الترقّي في الجزائر: تحديات وآفاق”، أنور نصر الدين هدام، فبراير 2017، مركز الترقي للدراسات الاستراتيجية،

[8]  “نظرة حول الوضع الاقتصادي في الجزائر، لا يعقل الحديث حول التحول الاقتصادي دون تحقيق التحول السياسي الحقيقي”، تقرير حركة الحرية والعدالة الاجتماعية ـ الجزائر، 15 يناير 2015.

[9]  تم استعار عبارة “الخنادق الأيديولوجية” من أدبيات الاخ الد. طيب برغوث.

[10] بعض هذه النقاط تم اقتباسها من “مذكرة من أجل مشروع وطني موحد للانتقال الديمقراطي في الجزائر”، حركة الحرية والعدالة الاجتماعية ـ الجزائر، أول ماي 2015.

لا تعليقات

اترك رد