إصلاحات لدعم مؤسسة الاسرة (1): مقدمة الطبعة السادسة لكتاب “بنـاء الأسرة المسلمـة طريـق النهضـة الحضاريـة”

134

بقلم: الدكتور طيب برغوث

إن وحدة الدراسات الجزائرية لمركز الترقي في هذه المقالات من سلسلة “إصلاحات لدعم مؤسسة الاسرة”، تستسمح الكاتب الفاضل الد. طيب برغوث في نقل بعض الفقرات من كتابه “بنـاء الأسرة المسلمـة طريـق النهضـة الحضاريـة، وصية لكل المقبلين على الحياة الزوجية” تعميما للفائدة. للتذكير، مما تهدف اليه وحدة الدراسات الجزائرية هو تقديم إصلاحات سياسية لدعم مؤسسة الاسرة؛ اللبنة الأساسية للمجتمع.

ملخص

في هذا المقال الأول من السلسلة تم نقل مقدمة الطبعة السادسة للكتاب الذي هو عبارة عن رسالة في الفقه السنني لبناء الأسرة وحمايتها وتمكينها من أداء دورها المحوري في النهضة الحضارية للمجتمع والأمة. اين أكد فيها الكاتب على ضرورة  الجميع العمل من أجل تمكينها من شروط أداء دورها في بناء النهضة الحضارية بالأصالة والكفاءة والفعالية المطلوبة. مبينا الى انه إذا لم تُمكَّن الأسرة من الشروط الضرورية لأداء هذه الأدوار والوظائف الأساسية بالأصالة والكفاءة والفعالية المطلوبة، فإن الأسرة ذاتها ستسودها الضنكية النفسية والروحية، تطبعها التنافرية والجفوة السلوكية، وينتقل ذلك إلى المجتمع بدوره فتسوده الجفوة والتنافرية وقلة الانسجام والتراحم، وتضعف فيه روحية وأخلاقية وجمالية الإحسان الذي هو روح الحياة الكريمة من ناحية، وشرط فعالية وكفاءة الأداء من ناحية أخرى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مقدمة الطبعة السادسة لكتاب:

“بنـاء الأسرة المسلمـة طريـق النهضـة الحضاريـة، وصية لكل المقبلين على الحياة الزوجية”

هذه هي الطبعة السادسة من هذه الرسالة في الفقه السنني لبناء الأسرة وحمايتها، وتمكينها من أداء دورها المحوري في النهضة الحضارية للمجتمع والأمة.

وإنني أحمد الله تعالى وأشكره على مدِّي بعونه حتى بلغت هذه الرسالة اليوم طبعتها السادسة، واستفاد منها عدد كبير من المتزوجين ومن المقبلين على الزواج من أجيال المجتمع المختلفة، كما تبلغني أصداء ذلك من حين لآخر، والتي تزيدني اهتماما بهذه الرسالة وترقية لها، حتى تؤدي ما آمله ويؤمله كل مسلم منها إن شاء الله تعالى.

ومع هذه الطبعة السادسة، ومن خلال هذه الأصداء الإيجابية التي تحدثها هذه الرسالة تِباعا، انتعشت آمالي في المشروع الذي تحدثت عنه في الطبعة الأولى، وهو إقامة مؤسسة ثقافية جادة تعنى بالتأهيل والوقاية والفعالية الأسرية، والتي انبثقت في ذهني مع بداية ثمانينات القرن الماضي، ونضجت في فكرة المعهد الوطني للتأهيل والوقاية الأسرية مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، وكنت أود الشروع في إنجازها، ولكن المحنة التي عصفت بالمجتمع الجزائري وقذفت بنا في أقاصي القارات البعيدة، رغما عنا، حالت دون ولادة المشروع، بل وكاد طول الوقت أن ينسينيه تماما، ولكن الأصداء التي تحدثها هذه الرسالة، والتجاوب الذي تلقاه إشارتي فيها إلى فكرة هذه المؤسسة الأسرية الوطنية الجادة، عززت في نفسي إمكانية بعثها ووضعها موضع التنفيذ من جديد، خدمة للأسرة والمجتمع، والنهضة الحضارية للأمة.

فالأسرة الرسالية مؤسسة مركزية أساسية من مؤسسات بناء النهضة الحضارية للمجتمع والأمة، يجب على كل من يعنيه أمر هذه النهضة الحضارية؛ من نخب المجتمع الفكرية والسياسية والاجتماعية، أن يبذل كل ما في وسعها من أجل ميلادها، وتفعيل دورها في التأهيل والوقاية والفعالية الأسرية.

وما لم تنتبه هذه النخب خاصة والمجتمع عامة، إلى محورية دور الأسرة في النهضة الحضارية للمجتمع، ويعمل الجميع من أجل تمكينها من شروط أداء دورها في بناء هذه النهضة الحضارية بالأصالة والكفاءة والفعالية المطلوبة، فإن هذه النهضة متعذرة، وحتى وإن توفرت بعض شروطها، وتحققت بعض مظاهرها، فإنها تظل منقوصة ومشحونة بعوامل سلب شحنات ثمينة من المودة والرحمة والسكينة والبركة منها، لغياب أو تعطيل دور المؤسسة الأم التي تزرعها وتغذيها وترعاها في المجتمع ألا وهي الأسرة الرسالية.

فالأسرة مستودع المودة والرحمة والسكينة والبركة والخيرية بلا منازع، كما قال تعالى: ( وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ )[الروم : 21].

فإذا لم تُمكَّن هذه الأسرة من الشروط الضرورية لأداء هذه الأدوار والوظائف الأساسية بالأصالة والكفاءة والفعالية المطلوبة، فإن الأسرة ذاتها ستسودها الضنكية النفسية والروحية، تطبعها التنافرية والجفوة السلوكية، وتضعف البركة فيها، وينتقل ذلك إلى المجتمع بدوره فتسوده الجفوة والتنافرية وقلة الانسجام والتراحم، وتضعف فيه روحية وأخلاقية وجمالية الإحسان الذي هو روح الحياة الكريمة من ناحية، وشرط فعالية وكفاءة الأداء من ناحية أخرى.

ولهذا كانت الاستراتيجية الأسرية للإسلام هي بناء حياة أسرية منسجمة ذاتيا، تحفها المودة والرحمة والسكينة والبركة من جميع جوانبها. وفعالة اجتماعيا، بما تقدمه من قدوة نموذجية متماسكة، قادرة على التأثير في واقعها الاجتماعي، كما نلحظ ذلك في دلالات قوله تعالى: ( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً )[الفرقان: 74].

فالأسرة على هذا ذات أدوار ذاتية داخلية أساسية، كما لها أدوار اجتماعية خارجية أساسية كذلك، يجب أن تؤديها بالأصالة والكفاءة والفعالية المطلوبة.

لكن المتأمل في واقع الأسرة بوعيها الحالي، وبأوضاعها الحالية، وبأدائها الحالي، وبالتحديات التي تحيط بها، وتؤثر عليها بشمول وعمق، يدرك تماما أن مثل هذه الأسرة يتعذر عليها أن تؤدي دورها الذاتي المطلوب تجاه أفرادها الرئيسيين، فما بالك بأن تؤدي دورها في النهضة الحضارية للمجتمع، لذلك فإن استثمار النخبة الفكرية والسياسية والاجتماعية لجزء من فكرها ووقتها وإمكاناتها، في تأهيل الأسرة ووقايتها وتفعيل دورها في المجتمع، يعد من أولى الأولويات وأهمها وأعظمها.

والمدخل الرئيس الصحيح، لبناء هذه الأسرة الرسالية النموذجية المتماسكة، المؤثرة في واقعها الذاتي وفي واقعها الاجتماعي، هو منحها ثقافة سننية متوازنة، ترفع من مستوى وعيها الفكري، ومن قوتها النفسية والروحية، وكفاءة أدائها السلوكي والاجتماعي.

إن الأسرة بحاجة إلى فقه سنني عميق، يساعدها على بناء داخلي متين أولا، ويعينها على تحقيق الإشعاع الاجتماعي المطلوب منها ثانيا. ويقيها من الهزات والانتكاسات التي تؤثر سلبا في أصالتها وفعاليتها، وفي جهدها البنائي على المستويين الذاتي والاجتماعي ثالثا.

وما لم يتحقق للأسرة هذا الوعي السنني المتوازن، وما لم يتحول هذا الوعي السنني إلى ثقافة سننية مؤثرة في الأفكار والنفس والسلوك والعلاقات والادعاءات، فإنه من غير الممكن للأسرة أن تحقق أيا من أهدافها الذاتية والاجتماعية بالشكل المطلوب. وستظل عرضة للإصابات التي تضاعف متاعبها وتعيق أداءها لدورها الذاتي والاجتماعي.

ومن أجل منح الأسرة ثقافة سننية متكاملة ومتوازنة، تمكنها من أداء دورها الذاتي والاجتماعي بالأصالة والكفاءة والفعالية المطلوبة، تتأكد في نظري، الأهمية الكبيرة بل والقصوى لمثل هذه المؤسسة الأسرية التي أتحدث عنها.

وبالرغم من وجود مؤسسات كثيرة جدا تشتغل في المجال الأسري، وتؤدي أدوارا مهمة، إلا أن التصور الذي أحمله عن المؤسسة الأسرية، قد تكون فيه إضافة نوعية مهمة في هذا المجال بحول الله تعالى، وهو ما يدفعني إلى محاولة السعي وراء تحقيقه، وتمكين المجتمع الأسري من الإستفادة منه.

فالأسرة في تصوري تحتاج إلى جامعة شعبية كاملة، وليس إلى مؤسسات جمعوية محدودة فحسب. فأنا أريد مؤسسة أسرية نوعية متكاملة في الشكل والمضمون معا. تقوم على مشروع تنمية الثقافة السننية المتكاملة والمتوازنة في المجتمع كله، وفي مقدمته مؤسسة الأسرة.

وعندما نتحدث عن تنمية الثقافة السننية المتكاملة والمتوازنة، فإننا نعني حركة ثقافية تجديدية شاملة ومتكاملة ومتوازنة، تتخلص من كل ما لم يعد مجديا في ثقافتنا التراثية أو في الثقافات الإنسانية الأخرى، وتصل نفسها بثوابت الثقافة والخبرة السننية في تراثنا وتراث الإنسانية عامة، وتبني عليها، وتستفيد منها، وتجدِّدها، وتضيف إليها ما تفتقت وتتفتق عنه العبقرية الإنسانية المعاصرة.

فالعبرة في المعرفة والخبرة والثقافة التراثية الذاتية والإنسانية معا، هي بمدى سننيتها تحديدا، أي بمدى مطابقتها لسنن الله تعالى التي فطر كل مفردة كونية عليها، وأناط حياتها ووظيفتها بها، لأن كل ما هو سنني فهو من ثوابت المعرفة والخبرة والثقافة الإنسانية القابلة للاستصحاب والاستثمار والتبليغ، وكل ما هو غير سنني فهو غير قابل للاستصحاب والاستثمار والتبليغ، ومحاولة استصحابه واستثماره وتبليغه، يعدُّ من الأخطاء القاتلة، والأخطار المميتة في حياة الأفراد والمجتمعات معا.

والقرآن الكريم يعلمنا كمسلمين وكبشرية جمعاء، بأن لا نتَّبع، وأن لا نعتمد في إدارة حياتنا إلا على المعرفة والخبرة والثقافة السننية المطابقة لحقائق الأشياء في عوالم الآفاق والأنفس والهداية والتأييد، كما جاء ذلك في قوله تعالى على سبيل المثال: (وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )[الإسراء: 36].

فالعلم الحقيقي لا يكون علما إلا إذا طابق سنن الله في الآفاق أو الأنفس أو الهداية أو التأييد، أو اقترب منها، وداوم السير نحو المطابقة معها. فالمطابقة هي هدف المعرفة الإنسانية، وشرط بلوغ الفعل الإنساني الذي تنتجه، أقصى مستويات أصالته وفعاليته وتكاملية واطراديته التاريخية.

والثقافة السننية الصانعة للنهضة الحضارية ذات العمق الروحي والأخلاقي والإنساني، لا تكون ثقافة سننية حقيقية، إلا إذا كانت ثقافة شاملة ومتكاملة ومتوازنة، أي مستوعبة لمعطيات كل المنظومات السننية الكونية الكلية الأربع المشار إليها سابقا. لأن الفعل الإنساني مهما كان طبيعته ونوعه وحجمه، لكي يكون فعلا أصيلا وفعالا وتكامليا ومطردا، لا بد له من أن يستثمر المعطيات السننية للمنظومات السننية الكونية الكلية الأربع السابقة، وإلا خرج فعلا منقوص الأصالة أو الفعالية أو التكاملية أو الاطرادية التاريخية.

ولا شك أن مواريثنا الثقافية الذاتية والإنسانية عامة، تحمل الكثير من جوانب المعرفة والخبرة والثقافة التجزيئية وغير السننية التي تجاوزها الزمن، ووجب علينا التخلص منها، والكفُّ عن استصحابها ونقلها والترويج لها، عبر الأسرة والمدرسة والفضاءات الثقافية المختلفة.

وهذا بالضبط ما أريد أن تضطلع به مثل هذه المؤسسة الأسرية الجديدة، وغيرها من المؤسسات الأخرى التي تقوم على المعرفة السننية، وتتولى نشر وبناء الثقافة السننية بحول الله تعالى.

إنني أتمنى أن تلقى هذه المؤسسة المحورية التي تعنى بتنمية الثقافة السننية في الأسرة والمجتمع عامة، الدعم من النخب الفكرية والسياسية والاجتماعية وعامة أفراد المجتمع، وأن يستثمر فيها كل واحد أثمن ما يملك من وقت وجهد وفكر ومال ووجاهة، لما لها من الأهمية البالغة كما ذكرت.

وإن قيَّم الأفكار والأشياء والأعمال والمشاريع وقيمتها وأهميتها، تتفاوت بحسب ما يترتب على كل منها من مصالح ونتائج ذات أبعاد عامة واستراتيجية بعيدة المدى. فالأعمال ذات النفع العام الواسع الممتد، ليست في القيمة والأهمية مثل الأعمال ذات النفع الخاص المحدود المؤقت. والأعمال النوعية العالية ليست في القيمة والأهمية مثل الأعمال العامة.

ولا شك عندي أن المشاريع ذات الأفق والنفَس الحضاري السنني، تأتي في طليعة المشاريع التي ينبغي على الإنسان أن يستثمر فيها أثمن ما عنده، من أجل دنياه وآخرته معا، لأن نفعها شامل وعميق وبعيد المدى.

ومشروع تنمية الثقافة السننية، يقع في عمق المشاريع الحضارية السننية الكبرى، لذلك ينبغي الانتباه إلى القيمة الخاصة للاستثمار فيه، والبناء له، وتمكين المجتمع من الاستفادة منه في تحقيق نهضته الحضارية المطلوبة.

وفي الختام أود أن أوضع أمرا مهما متعلقا بالمقدمات الست لهذه الرسالة، لأن القارئ الكريم قد يحس بأنه يقطع مسافة زمنية معتبرة حتى يصل إلى صلب موضوع الرسالة، بسبب كثرة المقدمات وطولها بصفة عامة. وهذا أمر صحيح إلى حد ما.

ومع هذا فإنني أستسمح القارئ الكريم في الإبقاء على هذه المقدمات، لأنها تمثل جزءا من الهوية التاريخية لهذه الرسالة من ناحية، كما أنها تمثل إضافات مهمة للرسالة من ناحية أخرى. فكل مقدمة من هذه المقدمات تحمل أفكارا إضافية جديدة للرسالة، إذ كل مقدمة منها تشكل موضوعا مستقلا تقريبا، وهو ما يدفعني إلى التعاطف معها، والميل إلى المحافظة عليها، وتجنب الاعتداء عليها، ملتمسا تعاطف القراء الكرام معي ومع هذه المقدمات المهمة، ومعتذرا لهم عن بعض الثقل الذي قد يحسون به.

والله ولي التوفيق